ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
343
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
القصائد تلك السبع التي علقت على البيت ، وانفتح للشعراء هذا الباب في التقصيد ، وكثرت المعاني المقولة بسببه ، ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ويؤتي بالمعاني الغريبة ، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها إلى الدولة الحمدانية ؛ فعظم الشعر ، وكثرت أساليبه ، وتشعبت طرقه ، وكان ختامه على الثلاثة المتأخرين ، وهم : أبو تمام حبيب بن أوس ، وأبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري ، وأبو الطيب المتنبي ؛ فإذا قيل : إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم يبق معنى مبتدع ؛ عورض ذلك بما ذكرته . والصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة ، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له ؟ إلا أن من المعاني ما يتساوى الشعراء فيه ، ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر ؛ لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأول ، كقولهم في الغزل : عفت الدّيار وما عفت * آثارهنّ من القلوب وكقولهم : إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه ؛ وإن الواشي لو علم بمرار الطيف لساءه ، وكقولهم في المديح : إن عطاءه كالبحر ، وكالسحاب ، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد ، وإنه يجود ابتداء من غير مسألة ، وأشباه ذلك وكقولهم في المراثي : إن هذا الرزء أول حادث ، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب ، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة ، وإن بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب ، وأشباه ذلك . وكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من معان ظاهرة تتوارد الخواطر عليها من غير كلفة ، وتستوي في إيرادها ، ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأول ، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص ، كقول أبي تمام : لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في النّدى والباس فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس فإن هذا معنى مخصوص ابتدعه أبو تمام ، وكان لابتداعه سبب ، والحكاية فيه مشهورة ، وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها :